أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
116
العقد الفريد
نجيّ لا يزال يعد ذنبا * لتقطع وصل حبلك من حبالي « 1 » فيوشك أن يريحك من أذاتي * نزولي في المهالك وارتحالي وتجهز للخروج ، فلم يتخلف عنه أحد ، حتى كان فيمن خرج أبو أيوب الأنصاري صاحب النبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال العتبي : وحدثني أبو إبراهيم قال : أرسل معاوية إلى ابن عباس ، قال : يا أبا العباس ، إن أحببت خرجت مع ابن أخيك فيأنس بك ويقرّبك ، وتشير عليه برأيك ؛ ولا يدخل الناس بينك وبينه فيشغلوا كل واحد منكما عن صاحبه ؛ وأقلّ من ذكر حقك ، فإنه إن كان لك فقد تركته لمن هو أبعد منا حبا ، وإن لم يكن لك فلا حاجة بك إلى ذكره ، مع أنه صائر إليك ، وكل آت قريب ، ولتجدنّا إذا كان ذلك خيرا لكم منا . فقال ابن عباس : واللّه لئن عظمت عليك النعمة في نفسك لقد عظمت عليك في يزيد ، وأما ما سألتني من الكف عن ذكر حقي ، فإني لم أغمد سيفي وأنا أريد أن أنتصر بلساني . ولئن صار هذا الأمر إلينا ثم وليكم من قومي مثلي كما ولينا من قومك مثلك ، لا يرى أهلك إلا ما يحبون . قال : فخرج يزيد ، فلما صار على الخليج « 2 » ثقل أبو أيوب الأنصاري فأتاه يزيد عائدا ، فقال : ما حاجتك أبا أيوب ؟ فقال : أما دنياكم فلا حاجة لي فيها ، ولكن قدّمني ما استطعت في بلاد العدو ، فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « يدفن عند سور القسطنطينية رجل صالح ؛ أرجو أن أكون هو ! . . . » . فلما مات أمر يزيد بتكفينه ، وحمل على سريره ، ثم أخرج الكتائب ، فجعل قيصر يرى سريرا يحمل والناس يقتتلون فأرسل إلى يزيد : ما هذا الذي أرى ؟
--> ( 1 ) النجي : المناجى ، والسرّ . ( 2 ) الخليج : يريد بحرا دون القسطنطينية .